أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
105
شرح مقامات الحريري
وأحتمل الضّاغط . فأصحبت إصحاب المطواعة ، وانخرطت في سلك الجماعة ؛ حتّى أفضينا إلى تاد جمع الأمير والمأمور ، وحشد النّبيه والمغمور ، وفي وسط هالته ، ووسط أهلّته ، شيح قد تقوّس واقعنسس ، وتقلنس وتطلّس ؛ وهو يصدع بوعظ يشفي الصّدور ، ويلين الصّخور ؛ فسمعته يقول ، وقد افتتنت به العقول . * * * قوله : يتكاءدني ، أي يشقّ علي أقاصي : أباعد . اللاغط : الصائح بكلام لا يفهم ، والضاغط : الذي إذا زاحمك ضغطك لحائط أو غيره حتى ينقطع نفسك ، يريد أنه لم يمنعه ما أصابه من السبّ والصياح به والضغط واللكز من مزاحمة الناس حتى قرب من الواعظ . ويبين هذا قوله في الخمسين : « ولم أزل أتنقل في المراكز ، وأغضى للّاكز والواكز » أصحبت : انقدت . المطواعة : المنقادين المطاوعين . والانخراط : دخول الإنسان في الأمر بغير علم . وتقدّم السلك . أفضينا : وصلنا ، وأراد أنّ هذا المجلس جمع العامة والأمير ، ومن له ذكر رفيع وشهرة . ومن هو مجهول مخمول . وأراد بالهالة حلقة الناس ، وبالأهلّة أشراف الناس والعلماء . وحرّك السين من « وسط » ، مع الهالة لأنها دارة وساحة العرب تقول : فلان جلس وسط الدار واحتجم وسط الرأس بالتحريك ، وسكّن مع الأهلة لأنه أراد معنى بين ، والعرب تقول : جلس وسط القوم ، فحملوه على بين ، لمّا حلّ محلّها وكان في معناها ، ولا يجوز جلس بين الدار ، فلهذا لا يقال جلس وسطها بالتسكين . تقوّس : انحنى . اقعنسس : تقبّض واحدودب . والقعس : دخول الظهر وخروج الصدر ، والحدب ضدّه وبيّنه الراجز بقوله [ الرجز ] * أقعس يمشي مشية التقاعس * . تقلنس : لبس القلنسوة . تطلس : لبس الطيلسان وهو كساء أخضر يلبسه الخواص . يصدع : يشقّ . * * * ابن آدم ، ما أغراك بما يغرّك ، وأضراك بما يضرّك ، وألهجك بما يطغيك ، وأبهجك بمن يطريك . تعني بما يعنّيك ، وتهمل ما يعنيك ، وتنزع في قوس تعدّيك ، وترتدي الحرص الّذي يرديك ؛ لا بالكفاف تقتنع ، ولا من الحرام تمتنع ، ولا للعظات تستمع ، ولا بالوعيد ترتدع . دأبك أن تتقلّب مع الأهواء ، وتخبط خبط العشواء ، وهمّك أن تدأب في الاحتراث ، وتجمع التّراث للورّاث ؛ يعجبك التّكاثر